التوازن بين الخيل والخيال داخل الانسان: روح المغامرة المدروسة

ربما تتساءل عما قاله الكتاب عن الخيل و الخيال. سأشرح لك الأمر. هو تشبيه فريد اقترحه اليونانيون القدماء لتفسير كيف يتصرف الانسان. من ناحية، الخيال هو الذات المفكرة. هو الجزء من الانسان الذي يخطط ويحل المشاكل. الخيال يحدد لك أهدافك وطموحاتك، أي أين تريد أن تذهب، ومن تريد أن تكون. من ناحية أخرى، يمثل الخيل نفسنا العاطفية، ويزودنا بالقوة في رحلتنا. إنه حيوان بري يدفعنا إلى التحرك والتصرف.

بدون خيال، يتحرك الخيل باندفاع وسرعة، وبدون تفكير. يسير عشوائياً، بلا اتجاه، ولا هدف، فيورطنا بمشاكل في الكثير من الأوقات. ومع ذلك، الخيل أساسي، فتنعدم الطاقة والقوة في غيابه. بناءً على ذلك، لا ينفع واحد دون الآخر.

في معظم الناس، يسيطر الخيل ويكون الخيال ضعيفًا، تماماً كما كان في رامي. وفي بعض الحالات الأخرى، يكون الخيال  مسيطراً، فيحمل الزمام بإحكام شديد، ويخشى أن يطلق العنان لحرية الحيوان. 

يجب أن يعمل الخيل والخيال سويًا. وهذا يعني أنه يجب أن ننظر في تصرفاتنا مسبقًا، ونجلب أكبر قدر ممكن من التفكير إلى الموقف قبل اتخاذ أي قرار، ولكن مباشرةً بعد أخذ القرار، يجب علينا أن نرخي زمام الأمور، وندخل العمل بجرأة وروح المغامرة وقوة. 

غالبًا ما يكون من الصعب علينا أن نعترف بسيطرة الخيل فينا، لأنه من أجل التحكم بمشاعرنا، نحتاج أن نفهم كيف نبعت هذه المشاعر، ما يمكنه فتح دفاتر قديمة ومؤلمة كنا قد دفناها في أعماق الا وعي. معظم الناس يمضون حياتهم دون مواجهة شياطينها. لذلك سؤالي لك هو: هل تعتقد أنك أشبه بالخيل أو الخيال؟

رامي والملاكمة: رحلة التحكم بالمشاعر

رامي طفل لوالدين مهملين، تخلا عنه يوم أتم التاسعة من عمره، ووضعاه في دار الايتام. كانت حالة الميتم سيئةً. وكان على رامي أن يكافح كل يوم للحصول على أبسط احتياجاته، كتناول الطعام، أو حتى ارتداء ملابس مريحة. الشيء الوحيد الذي كان رامي فعلاً يريده في حياته هو الانضمام إلى أسرة تحضنه بمحبة. نمط العيش هذا جعل من رامي شخصاً متقلباً عاطفيياً. فيملأه الغضب عندما يقوم طفل آخر بالتنمر عليه، ثم يمتلكه الأمل عندما يعبر في مخيلته مشهد خروجه من الميتم بصحبة والدين محبين، وأخيراً يغرق في حزن عميق عندما يختار زائران ولداً غيره لتبنيه. وكانت هذه المشاعر القوية وغير الثابتة تبعد الأسر المتبنية عنه. بعد مرور سنوات عديدة في الميتم، أصبح رامي شخصاً عدائياً، يعيش في سجال مستمر مع الايتام الآخرين، وحتى مع المسؤولين عن الدار.

في يوم من الأيام، قدم أحد هؤلاء المسؤولين قفازات ملاكمة إلى رامي، وأمره بضرب كيس من الرمل لأطول وقت ممكن. وبينما كان رامي يلاكم الحقيبة الثقيلة، لاحظه رجل كبير السن، كان في شبابه مدربًا في الملاكمة. أعجب الرجل بقوة وشغف رامي، ووجد فيه موهبةً، فتوجه نحوه وسأله إن كان يريد ملاكمة شخص حقيقي. في غضون دقائق، وجد رامي نفسه واقفاً داخل حلبة ملاكمة حديثة. وبينما كان الغضب يغلي في داخله، ركض نحو خصمه، وضربه بكل قوته. إلا أن الخصم تخطى الضربة، ثم لكم رامي على فكه، فكانت نهاية المعركة. توجه المدرب نحو رامي، وقال: “من الجيد أن يكون لديك قلب، لكن يجب أن تكون خطواتك هادئةً ومحسوبةً لكسب المعركة”. وبينما كان رامي يستعد للرحيل، متجاهلاً كلام المدرب، والدموع في عينيه، تابع هذا الأخر قائلاً: “قليلون هم الملاكمون الذين يملكون شغفاً مثل شغفك، ولكن إذا سمحت لمشاعرك أن تستهلكك هكذا، ستفشل حتماً، ولن تحقيق أحلامك أبداً. إذا كنت تريد أن تتعلم كيف تسيطر على مشاعرك وتلاكم بشكل صحيح، فأن جاهز لمساعدتك”. 

حين وصل رامي إلى الدار، وجد نبيل، الصبي الذي لطالما تنمر عليه، يودع الجميع، فعائلة قررت احتضانه. في هذه اللحظة، امتلأ رامي بالحسد والغيرة، فالذي حصل مع نبيل هو الشيء الذي أمضى سنين وما زال يحلم به. حينها، أدرك رامي أنه إذا أراد أن يتحقق حلمه، فعليه تغيير شيء ما، عليه القيام بشيء ما، وتذكر كلام مدرب الملاكمة. في اليوم التالي، توجه رامي إلى موقع الحلبة حيث وجدة المدرب. ابتسم هذا الأخر عند رؤيته، ثم طلب منه قراءة كتاب عنوانه “قوانين الطبيعة البشرية”. وقال: “بعد قراءة الكتاب، أريدك أن تخبرني إذا كنت ترى نفسك أشبه بالخيل أو الخيال”. تعجب رامي عند سماع توجيهات المدرب، ولكن قرر أن يثق به. خلال الأيام القليلة التالية، أنهى رامي الكتاب، ذهب إلى حلبة التدريب، أخذ نفساً عميقاً، وقال للمدرب أنه أشبه بالخيل. وطلب رامي من المدرب أن يعلمه كيف ينمي الخيال في داخله.

وكانت هذه اللحظة نقطة الانطلاق لرامي في رحلة التحكم بالمشاعر. تعلم رامي أن يكون واعياً كل الوعي على أحاسيسه، ومعناها، ومصدرها، ونتائجها. من خلال الملاكمة، تعلم التحكم بغضبه وحزنه وغيرته وامله وفرحه. وبعد مرور عامٍ، تحقق حلمه، فيبدو أن رامي الجديد كان خياراً مناسبًا للأسر الحاضنة.  

تلوين الماندالا: علاج نفسي للبالغين

إن وردت كلمة تلوين أمامنا، سرعان ما يربطها دماغنا بشكل لا واعي بأيام الحضانة. فهو قد يبدو نشاطًا مخصصًا للأطفال الصغار في مرحلة ما قبل المدرسة، لكن الاتجاه الحديث لكتب التلوين ونشاط التلوين بحد ذاته استكمل مساره ووصل إلى البالغين.

تتميز كتب التلوين الخاصة بالبالغين بمشاهد أكثر تعقيدًا أو رسومات توضيحية تم تصميمها جزئيًا بهدف إشعال إبداعك. ولعل أشهر هذه الكتب هي الماندالا (Mandala)، وهي رسوم لأي تخطيط، جدول، نمط هندسي، او زخرفات معقدة. استخدمت الماندالا الثقافات الأصلية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك القبائل الأمريكية الأصلية والرهبان البوذيون. كانت الماندالا جزءًا من ممارساتهم الروحية لقرون عدة، حيث كانت تدل على رموز روحية. في الواقع، “ماندالا” تعني “الدائرة المقدسة”، لذلك غالبا ما تكون رسمات الماندالا دائريةً. وكانت تُرسم الماندالا بشكل تقليدي عن طريق طلاء التصاميم على أنواع مختلفة من الأسطح، أو استخدام الرمال الملونة لإنشاء ماندالا على الأرض.

لا يزال العلماء يقومون بدراسات للبحث في الفوائد التي تقدمها عروض تلوين الماندالا. هم يدرسون تحديداً مدى فعاليتها في الحد من القلق، وتهدئة العقل. وأظهرت إحدى الدراسات التي نشرت في مجلة Art Therapy: Journal of the American Art Therapy أن تلوين أنماط هندسية معقدة إلى حد ما، مثل تلك الموجودة في صفحات تلوين ماندالا، يساهم في الحد من القلق، وتهدئة العقل، وتقليل التوتر. فتلوين ماندالات يأخذ قدراً كبيراً من التركيز؛ عليك أن تقرر أي ألوان يجب أن تذهب في أي مسافات، والعمل بعناية للبقاء ضمن الخط المفصل. التركيز على هذه الأمور يساعدك بمشاكل حياتك، إذ أنك تتعلم الصبر. بطريقة لا واعية، تكتسب الدقة، وتكتشف أهمية الأجزاء، فتقدرها.

وعلى الرغم من أن تلوين ماندالات ليس بديلاً عن طلب المساعدة المهنية، فقد تبين أن التلوين يساعد في الأعراض الجسدية والنفسية المرتبطة بالاكتئاب الخفيف واضطراب ما بعد الصدمة والقلق. أحد الأسباب المحتملة هو أن الحركة المتكررة للتلوين تعمل كوسيلة للتهدئة الذاتية. تساعد الماندالا أيضاً على تنمية الجانب الإبداعي الخاص بك. فالتلوين يمنحك بشكل من الأشكال طريقةً للتعبير عن نفسك دون القلق بشأن ما يفكر فيه الاخرين: أضع اللون الأحمر والأرجواني في نفس المساحة، أو ألون خارج الخطوط، أو أضيف المزيد من أعمال الخطوط. و أخيراً، يمكن للتلوين أن يساعد الشخص البالغ على العودة إلى نفسه الأصغر والأقل توتراً.

العلاج الجماعي

وخلق الله حواء مؤنسةٌ لآدم. هذه هي الطبيعة البشرية، ما من إنسان يعيش لوحده. نتكاثر ونبني أسر سوياً. نتشارك الأحزان، ونتهافت على الأفراح. فتوصل الطب النفسي إلى الاستعانة بالجماعات ليصبح لدينا ما يسمى بالعلاج الجماعي. 

العلاج الجماعي هو علاج فريد، يختلف تمامًا عن أي طريقة علاجية أخرى. هو قائم على الحوار, والدعم, وتبادل خبرات وتجارب ودروس ونصائح بين الأفراد. غالبًا ما يتم العلاج الجماعي بمجموعات تتراوح بين ٦ و١٢ شخصًا، جنبًا إلى جنب مع المعالج. وتدوم جلسة العلاج عادةً ما بين ساعة ونصف و ساعتين.

أثبتت الأبحاث أن العلاج الجماعي على نفس مستوى فعالية العلاج الفردي. وهو يشمل تجارب مميزة، فمثلاً يعطي الناس فرصةً للتعبير عن أنفسهم أمام الآخرين دون الشعور بوطأة الأحكام، حيث أن المجموعات تُختار على أسس التطابق في الحالة النفسية أو المشكلة الاجتماعية أو حتى الصحية. إضافةً إلى ذلك، يولد هذا العلاج الأمل لدى المجموعات، فهو يوفر مساحةً مشتركةً تسمح للأشخاص أن يشاهدوا بأنفسهم تقدم و تحسن الاخرين. زيادةً على ذلك، تساعد المجموعات على تبادل المعرفة، وتطوير نظرة الفرد للأمور. كما أن التماسك الجماعي يضفي شعوراً بالأمان. فيفهم الأفراد أن ابتلاءهم لم ينل منهم فقط، بل من أشخاص آخرين أيضاً. وفي مواجهة المصاعب المماثلة، يتكاتف الأفراد مدركين  أن مشاعرهم الحالية ليست إلا نتيجة تجاربهم الماضية المعاكسة، ويتساعدون في اكتشاف كيفية التعامل مع هذه المشاعر في الوقت الراهن.

توجد طرق علمية عديدة لتقديم الجلسات الجماعية. أولاً، يمكن الاعتماد على العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive behavioral therapy, CBT). المبدأ وراء CBTهو تحديد الأفكار والسلوكيات السلبية. بعد ذلك، يساعد المعالج وأعضاء المجموعة الآخرون المريض على فهم سبب تفكيره بالطريقة غير المفيدة، وعلى تحدي معتقداته السلبية، واستبدالها بطرق تفكير أكثر فائدة. ثانياَ، هناك العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical behavioral therapy, DBT) الذي أثبت فعاليته، تحديداً في أمراض اضطراب الشخصية (Borderline personality disorder). وأخيرا، هناك العلاج بالسيكو دراما (psychodrama) الذي يسمح للناس التعبير عن مشاعرهم من خلال لعب الأدوار. غالبًا ما يستخدم هذا النوع الإبداعي من العلاج الجماعي لمعالجة حالات الإدمان. إضافةً إلى ذلك، قد تتضمن الجلسات العلاجية استخدام الحيوانات كالخيول، فهذا يساعد على تعزيز النمو والتعلم العاطفي. في الواقع، تتمتع الخيول بقدرة فطرية على قراءة المشاعر الإنسانية، وقد تم دمج الرابطة الفريدة بين البشر والخيول في العلاج النفسي.

اخيرا، من المثير للاهتمام هو أن المرضى يعبرون غالبًا عن تردد مبدئي في العلاج الجماعي، لكنهم يؤكدون استمتاعهم به بعد المشاركة. وبالنسبة لأولئك الذين تلقوا العلاج الجماعي و الفردي، فغالبا ما يفاجئهم تفضيلهم للعلاج الجماعي..

العلاج بالموسيقى

تداولنا مسبقاً أهمية الإيجابية لعيش حياة أسمى. وفي بحثنا عن الطاقة والفرح، نسمع الجملة المأثورة “استمع إلى الموسيقى”. يتّفق الجميع على الدّور الأساسي الذي تلعبه الموسيقى في حياة كل فردٍ منا. هي الصّديق الوفي الذي يرافقنا في الحزن والفرح؛ فهي تواسينا حينٍ وتحتفل معنا حينٍ آخر. لفوائد الموسيقى أسباب وأسس علمية أثبتها العلماء والأطباء، واستغلوها لتطوير سبل علاجية جديدة في الحقل النفسي، أطلقوا عليها اسم العلاج بالموسيقى.

يكمن سر الموسيقى بتأثيرها على مناطق مختلفة من الدماغ. فتبدأ أولى مراحل التأثير في المنطقة الدماغية المعروفة بالفص الصدغي (temporal lobe). في هذه المنطقة، تستجيب الخلايا للموسيقى بشكل مختلف وفقاً لاختلاف الإيقاع والوقع، وارتفاع الصوت. تأثير الأمواج الصوتية على الخلايا في هذه المنطقة يجعلنا ندرك أننا نستمع إلى الموسيقى، وبذلك يشكل نقطة البداية التي تنطلق من خلالها الأمواج الموسيقية لتفعيل مناطق دماغية الأخرى.

من المأثور أن الموسيقى تنقلنا إلى عالم آخر، وذلك بسبب تأثيرها على الجزء الأمامي من الدماغ المعروف بالمخ (cerebrum). تفعيل المخ أثناء الاستماع يجعلنا نبني صوراً في مخيلتنا، و هذا التخيل بدوره يبث الفرح ويطلق عنان الطاقات المكبوتة.

تحريك الجسم أثناء الاستماع إلى الموسيقى يعود إلى تأثيرها على المُخَيخ (cerebellum). فهذه المنطقة من الدماغ مسؤولة على تنظيم وضبط حركات وتوازن الجسم.

جزء كبير من تأثير الموسيقى على الفرد هو من خلال حثّ الدماغ على إفراز هرمون السعادة (dopamine)، الأمر الذي يحسن المزاج ويفعم الانسان بالفرح والحماس. 

قدرة الموسيقى على تحسين حياة الفرد دفع الخبراء إلى إنشاء نوع جديد من العلاجات النفسية، وهو العلاج بالموسيقى. يمس هذا العلاج الدماغ والجسم والسلوك، بحيث أن الموسيقى توفر إلهاءً للعقل، تبطئ إيقاعات الجسم، وتغير المزاج، ما يؤثر بدوره على السلوك. ومع المتابعة في الجلسات، يبدأ دماغ الإنسان بالاستجابة بشكل اكثر فعالية، و تدوم النتائج لفترات زمنية أطول.

طريقة تطبيق هذا العلاج تكمن بالاستماع إلى الألحان، العزف على آلة موسيقية، أو كتابة الأغاني. يتم تصميم الجلسات مع مراعاة عدد من العوامل، بما في ذلك الصحة البدنية والنفسية، قدرات الاتصال، المهارات المعرفية، الرفاهية العاطفية، والاهتمامات. بعد تقييم هذه العوامل مع أهداف العلاج، يقرر المعالج استخدام العملية الإبداعية أو الاستقبالية. العملية الإبداعية تشمل تأليف أغنية أو الارتجال. أما العملية الاستقبالية، فتقوم على تقديم تجارب الاستماع إلى الموسيقى. يمكن بعد ذلك مناقشة الأفكار التي أوضحها العلاج، وانعكاس ذلك على حياة الشخص.

التأمل: السر لإعادة برمجة العقل

التأمل رياضة ذهنية قديمة يقوم الفرد من خلالها بتدريب عقله على التركيز. اكتشف العلماء أن هذه الممارسة تغير بنية الدماغ بطريقةٍ تمنح المتأمل القدرة على التزام الهدوء في مواقف الضغط، وتطوير أفكار أكثر إبداعًا، وذاكرة ممتازة. وأظهرت تجربة أن بعض الرهبان المتأملين استطاعوا تجفيف أوراق رطبة عن طريق رفع درجة حرارة الجسم بقوة العقل.

في السنوات العشر الأخيرة، اكتشف العلماء أنه في كل مرة نفكر أو نشعر بشيءٍ جديدٍ، تظهر وصلات عصبية جديدة في دماغنا. وفي حين أن الوصلات المرتبطة بعاداتنا، أي الأشياء التي نكررها في حياتنا، قوية جداً، تلك التي لا نستخدمها ضعفة وتختفي مع مرور الوقت. هذا هو ما يجعل عاداتنا تلقائيةً، بمعنى اننا لسنا بحاجةٍ للتفكير أو بذل جهدٍ من أجل القيام بها. يقول العلماء أننا لا نختار معظم أفكارنا ومشاعرنا، فهي مبرمجة في دماغنا بواسطة هذه الروابط العصبية.  بناءً على ذلك، الجزء الأكبر من سلوكياتنا تنبع من منطقة اللاوعي. هذا يفسر لماذا نتصرف بالطريقة نفسها مرارًا وتكرارًا حتى لو كنا نعلم اننا مخطئين. وفيهذا الجزء من العقل، الروابط العصبية قوية، ما يجعل معظم الناس يعتقدون أنهم لا يستطيعون تغيير طريقة تصرفهم وردود فعلهم. هذه الطريقة التلقائية في التصرف هي ما نسميه الشخصية. ولكن في الحقيقة، “الشخصية” هي مجرد مجموعة السلوكيات التي كررناها أكثر من غيرها. هذا يعني اننا قادرون على تغييرها. فيمكننا تطوير ذكائنا ومهاراتنا من خلال تدريب عقولنا. لذلك، لتغيير أنفسنا، نحتاج إلى تغيير أدمغتنا، أي إنشاء وصلات عصبية جديدة وتفعيلها حتى تصبح قوية. 

ممارسة التأمل تساعدنا، بشكل استثنائي، على إعادة برمجة عقولنا. كل ما علينا فعله هو التركيز على التنفس. لكن، هذه المهمة صعبة وتتطلب التدريب، إذ أنه في المعدل​​، تطاردنا حوالي 50000 فكرة يومياً. تجدر الإشارة إلى أن %98 من هذه الأفكار هي نفسها التي طاردتنا في اليوم السابق، و%80 منها سلبية. فتتحول هذه الأفكار إلى عادة، وينتج مباشرةً عنها شعور مستمر بالقلق والتوتر، ما يجعلنا نتصرف بطرقة غير مفيدة أبداً. وجد العلماء أن التأمل يقلل من حجم اللوزة (amygdala)، وهي مركز الخوف في دماغنا، الذي تنبع منه كل عواطفنا وأفكارنا السلبية. إضافةً إلى ذلك، يقلل التأمل من مستوى هرمون التوتر، الكورتيزول، ويطور قدرتنا على مشاهدة أفكارنا وعواطفنا دون أي ردة فعل. هكذا، يساعدنا التأمل على تغيير سلوكنا، وحتى شخصيتنا بشكل كبير.

الانضباط الذاتي طريق للنجاح

في ليلة شتاء باردة، كان رجل عجوز مع حفيده يشاهدان فيلمًا وثائقيًا عن شخصية عامة ناجحة. كانا يستمتعان بوقتهما ومنسجمان، خصوصاً الولد الذي كانت عيناه تبرقان إندهاشاًبإنجازات تلك الشخصية. ومع انتهاء الوثائقي، التفت الولد نحو جده، وقال: “ما سره يا جدي؟ يوماً ما، أريد أن أكون ناجحاً مثله”. أوضح الرجل العجوز لحفيده، “للنجاح عوامل عديدة، وبمقدمتها الانضباط والالتزام. ولكن ضع في اعتبارك أن سماع هذا أسهل بكثير من تطبيقه. أنظر يا ابني، لا أحد يولد ناجحًا، ولا أحد يستيقظ من نومه ناجحاً. أولئك الذين نجحوا في حياتهم بذلوا جهداً  كبيراً، وبنوا نجاحهم خطوة خطوة. لكي تنجح، عليك أن تكون منضبطًا وملتزمًا بتطبيق سلوكيات ثابتة. عليك أن تنمي عادات معينة حتى تصبح جزءًا من حياتك. ستضطر أن تضحي براحتك، ونومك، وأحيانًا بالأشياء التي تحبها والتي غالباً ما تمارسها في وقت فراغك. عليك أن تقدس الوقت، فهو ثمين جدا. التزم بالمواعيد والتواريخ واحترمها. كن أقوى من إغراءات الحياة المؤقتة التي قد تواجهها، خاصةً عند الشعور بالتعب والعزلة. ركز على هدفك الرئيسي. إن تعبت، استرح لكن لا تستسلم. الفشل ما هو إلا التوقف عن المحاولة. اجعل التزامك وانضباطك إنعكاساً لإرادتك الصلبة الجبارة. اعلم أن ما من شيء مستحيل. فمن سعى، وصل. ومن تعب، نال. استمتع برحلة الوصول، وبطريقك ساعد جميع سالكي الدرب إذا استطعت. اعلم، يا ابني، ان لا شيء يذهب سدى. كن المنافس الأشرس لنفسك. حارب عاداتك السيئة، وكسلك في بعض الأيام، وتأجيل عمل اليوم للغد. اسعى إلى تطوير نفسك على جميع الأصعدة. اقرأ، وناقش، وحاور. اختر أصدقائك بدقة. لا تستهين بتأثير الأصدقاء على حياتك؛ فهم إما يدعمونك في مسيرتك لتحقيق الأفضل، أو يسيرونك نحو الهاوية. تمسك بكرامتك، ولا تنغشبالربح السريع. لا تكن ضحية الخطأ بحجة جمع الأموال. فالأشياء بقيمتها، لا بثمنها. كن على يقين بأن المال يشتري مرافقين لا أصدقاء، أرضاً لا وطناً، منزلاً لا أسرةً. كن لأحلامك درعاً لا ينكسر. إن لم تأتي سفينتك، اسبح نحوها. أخيراً و ليس أخراً، اعلم، يا ابني، أنه إذا أردت النجاح فعلاً كما تقول، ستناله”. 

حوار مع صديق تبنى الإيجابية كمنهج لحياته

-يسرني اليوم أن نتحاور حول موضوع الإيجابية، ودورها الأساسي في حياتنا اليومية، وتأثيرها على مجمل الأصعدة الحياتية لاسيما النفسية، والجسدية. فدعنا، يا شادي، ندخل مباشرةً إلى صلب الموضوع. ما هو تعريفك للإيجابية؟  

-الإيجابية هي نمط حياة قائم على دعائم عديدة، منها أسس تفكير منطقية وواقعية، قناعة بالوضع الحالي، إضافةً إلى تركيبة هرمونات بمعدلات صحية وطبيعية في دماغ وجسد الانسان. 

-تعريف بسيط ودقيق. استخدمت كلمة قناعة في تعريفك، هل تستطيع التوغل بالشرح أكثر لو سمحت؟

-طبعا ً، هي القناعة بحياتنا الحالية بغض النظر عن مستواها. هي قبول الشخص لواقعه، وعلمه بأنه ليس سجين هذا الواقع، بل هو قادر أن يغير الأمور إلى أن تصبح كما يريد، فيشعر بالرضى. هي القناعة بأن الإيجابية لا تلغي وجود الأمور السلبية، بل هي فقط أقوى من أن يسيطر السيئ علينا. القناعة تؤدي إلى السعادة، وبالتالي إلى الإيجابية.

-رائع، والأن أرجو منك أن تحدثني عن تأثير الإيجابية على حياتنا.

-ستتفاجئين بمقدار تأثيرها! الحياة أشبه بالسيارة، والإيجابية هي القائد الماهر الذي يودي الإنسان إلى أجمل المقاصد. من يعيش بإيجابية يكون سعيداً، فغبطته غير مرتبطة بالأمور المادية أو المستويات الاجتماعية. هو إنسان بسيط ومنطقي. الإيجابية تقود المرء إلى حياة أكثر إشباعاً وإرضاءً، فتبعده عن الاكتئاب، ومشاكل القلق، والتفكير السيئ القاتل للروح. الإيجابية سر السعادة الحقيقية. إضافةً إلى ذلك، الإنسان الإيجابي غالباً ما  يتحلى بصحة جسدية جيدة. فهو بغنى عن التوتر المضر للجسد، وصحة القلب والكلى بشكل خاص. بناءً على ذلك، الانسان الذي يقرر أن يسمح للإيجابية التحكم بحياته يساهم في تعزيز صحته النفسية والجسدية بشكل كبير.  

-هل الإنسان الإيجابي لا يحزن؟

-الحزن هو إحدى المشاعر الأساسية التي يشعر بها الإنسان. لا أحد يستطيع أن يلغي وجوده من معادلة الحياة. ولكن الشخص الإيجابي يحزن وهو عالم بأن محنته ستمضي، وان اللحظات الأجمل ستكون بانتظاره لتنسيه حزنه. الحزن جزء لا يتجزأ من الحياة البشرية، لكن الانسان الإيجابي يدرك كيفية التعامل معه. فهو يحدد أسبابه ويبذل كل الجهد المطلوب لتخطيه.-كان الحوار ممتعاً ومفيداً جداً. من الواضح أن مع تدريب أذهاننا على الإيجابية، يمكننا أن نضمن تحقيق كلّ ما نرغب فيه، على الرغم من القيود مفروضة علينا، إذ أن هذه الحالة الفكرية تفتح عالمًا داخلياً جديدًا في جوهره ثقة، وأمل، وقدرة على الصمود

عقلية النمو والعقلية الثابتة

كيف يمكن لوجهة النظر التي تعتمدها لنفسك أن تحدد ما إذا تصبح الشخص الذي تطمح أن تكون عليه وتنجز الأشياء التي تتمناها؟ 

العقلية أو الحوار الداخلي مفهوم نابع من ابحاث استاذة علم النفس كارول دويك في جامعة ستانفورد. من جهة، العقلية الثابتة هي الاعتقاد بأن صفاتك، كالذكاء والإبداع وحتى القدرات العلائقية كالحب والصداقة، ثابتة منذ الولادة ولا يمكنك تغيرها. من جهة أخرى، عقلية النمو هي الإيمان أنك قادر على تحسين هذه الصفات عن طريق التدريب، والعمل الجاد، والإصرار. 

على الصعيد المهني، تخيل إثنين من رجال الأعمال يواجه كل منهما عقبةً في المراحل المبكرة من رحلة ريادته. صاحب العقلية الثابتة يشعر بان الرحلة طويلة وشاقة، فيستسلم. فهو يقيم نفسه حسب النتيجة؛ بمعنى أنه إن نجح، فهو زكي، وإن فشل، فهو غبي. بناءً على ذلك، هو يخاف من الفشل، فلا يخوض التحديات الصعبة. أما صاحب عقلية النمو، فيرى النجاح في خوض التحدي، إذ أنه يجد في المسار الشاق فرصةً للتعلم والتقدم، فيقرر أن يستمر وان يواجه الصعوبات. 

على صعيد العلاقة الشخصية، في حين يعتقد صاحب العقلية الثابتة أن الصديق المثالي هو من يجعله يشعر بالكمال، يفضل صاحب عقلية النمو الشخص الذي من شأنه أن يعترف بعيوب ونواقص صديقه ويساعده بمحبة في التغلب عليها. 

حتى تحصل على فرصة لتعزيز عقلية النمو، عليك الخروج من منطقة الراحة والأمان الخاصة بك. فيبدأ الأشخاص الذين لا يغادرون منطقة الراحة الخاصة بهم بالاعتقاد أن نجاحهم يعود إلى موهبة فطرية، إذ أن كل شيء يسهل عليهم. على سبيل المثال، يبدأ الطالب، الذي لم يتم تحديه في المدرسة، الاعتقاد بأنه ذكي بطبيعته. “لقد حصلت على A، لذلك أنا ذكي” قد يقول. تأتي النتيجة سهلة للغاية لدرجة أنه لا يفكر في عملية الوصول إليها. لسوء الحظ، كل ما يراه هو النتيجة، ويتعلق بها. عندما، في مرحلة من مراحل حياته، لا يحصل هذا الطالب على النتيجة التي اعتاد الحصول عليها بسهولة، يفقد ثقته بنفسه. يفرض الخروج من منطقة الأمان على الطالب تطوير عقلية النمو لديه، إذ أنها الوسيلة الوحيدة لتجنب التحطيم النفسي تحت وطأة المصاعب والتحديات.   

أوقات الفراغ… بين الخمول وتحفيز الذات

في معظم تاريخ البشرية، كانت أوقات الفراغ نادرةً. فكان الكدح من الفجر حتى الغسق لمجرد البقاء على قيد الحياة قدر جميع البشر. ومع بداية الثورة الصناعية الثانية في أواخر القرن التاسع عشر، وتقسيم العمل الذي ارتبط بها، تركت الجماهير، لأول مرة في العصر الحديث، مع وقت فراغ لتوجيه انشطتها الخاصة. ولكن مع هذا التحرر من النضال اليومي، يواجه كل واحدٍ منا سؤالاً حاسماً: كيف نستغل أوقات الترفيه هذه؟ 

يغرق معظم الناس في المطابقة، فيقضون وقت فراغهم في الاسترخاء والاستهلاك التفاخري. ونتيجةً لذلك، تأخذ الحياة قالبًا مشتركًا وتتبع مسارًا مماثلاً لما وصفه الفيلسوف ريتشارد تايلور في القرن العشرين. فيقول تايلور إن معظم الناس يتجولون في الحياة، ويتركون كل شيء كما كان عند دخولهم. فهم لا يحققون شيئًا، ولا يطمحون إلى شيء. فيصبح نمط الحياة هذا شائعاً، معتاداً، نموذجياً، أو حتى طبيعياً.

قلة قليلة نسبياً ترتفع فوق مثل هذا الوجود. يجادل البعض أن الحياة العصرية مجهدة، ومع ارتفاع مشاكل الصحة العقلية، ربما ما نحتاج إليه هو قضاء المزيد من الوقت في الراحة والاسترخاء. إلا أن الكاتب الإنجليزي كولن ويلسون لا يوافق على ذلك. يجادل ويلسون أن الكثير من الخمول، بدلاً من تعزيز الصحة العقلية، يميل إلى توليد التعاسة وعدد كبير من المشاكل النفسية. فلاحظ أن فترات طويلة من الكسل كانت، في كل مرة، تسبق نوباته من الاكتئاب. اكتشف أن حالة الاكتئاب كانت تسيطر عليه سريعًا، وتجعله إنساناً متشائمًا كلما لم يشغل أيامه بمهام وتحديات ومشاكل مثيرة للاهتمام.  

إن كان ويلسون محقاً، فإننا نواجه الخيار التالي: إما نضيع وقت فراغنا في مساعي الخمول، وترك إمكاناتنا غير مستغلة، فنصبح أنفسنا عرضةً للمرض النفسي، أو نسعى جاهدين لقضاء معظم وقت فراغنا في الخلق والاستكشاف وتحدي قدراتنا وتحسين مواهبنا. وفي حين أن الخيار الأخير يستلزم المثابرة والنضال والتضحية بالملذات والراحة، فإن المردود، أي النمو الشخصي والصحة العقلية، يستحق هذا الجهد. 

ولكن ماذا لو كان اكتشاف ويلسون لا ينطبق على الجميع، بل فقد على الذين، مثل ويلسون، يحتاجون إلى قدر معين من التحدي والحوافز الخارجية؟ ربما بالنسبة لبعض الناس، لا يؤدي الكسل إلى التعاسة. هل يعني ذلك أن لهؤلاء الأشخاص، الكفاح من أجل قضاء وقت فراغنا في النشاط الإبداعي هو مضيعة للوقت والطاقة؟ في كتابه “استعادة الكبرياء”، يقنعنا ريتشارد تايلور بأن الكفاح من أجل الإنتاج والإبداع يستحق الجهد دائمًا. فهو يوضح إن هذا الكفاح يزيدنا قدرةً على الوصول إلى حالة فخر نادرة. ويعرف تايلور هذا الفخر بأنه “الحب المبرر لنفسه”. ويشير إلى أن بينما يزعم كثير من الناس أنهم يحبون أنفسهم، فإن حبهم في كثير من الأحيان ليس فخرًا بل نرجسيًا، أو تكبراً لحماية أنفسهم من انعدام الأمن الذي يكمن في عدم الثقة والكراهية الذاتية. ويضيف تايلور أن، ليحب المرء نفسه حقًا، يجب عليه تنمية مهارة غير عادية في مجال معين، وبالتالي تحقيق التميز الشخصي من النوع الذي يميزه عن الآخرين.