
التأمل رياضة ذهنية قديمة يقوم الفرد من خلالها بتدريب عقله على التركيز. اكتشف العلماء أن هذه الممارسة تغير بنية الدماغ بطريقةٍ تمنح المتأمل القدرة على التزام الهدوء في مواقف الضغط، وتطوير أفكار أكثر إبداعًا، وذاكرة ممتازة. وأظهرت تجربة أن بعض الرهبان المتأملين استطاعوا تجفيف أوراق رطبة عن طريق رفع درجة حرارة الجسم بقوة العقل.

في السنوات العشر الأخيرة، اكتشف العلماء أنه في كل مرة نفكر أو نشعر بشيءٍ جديدٍ، تظهر وصلات عصبية جديدة في دماغنا. وفي حين أن الوصلات المرتبطة بعاداتنا، أي الأشياء التي نكررها في حياتنا، قوية جداً، تلك التي لا نستخدمها ضعفة وتختفي مع مرور الوقت. هذا هو ما يجعل عاداتنا تلقائيةً، بمعنى اننا لسنا بحاجةٍ للتفكير أو بذل جهدٍ من أجل القيام بها. يقول العلماء أننا لا نختار معظم أفكارنا ومشاعرنا، فهي مبرمجة في دماغنا بواسطة هذه الروابط العصبية. بناءً على ذلك، الجزء الأكبر من سلوكياتنا تنبع من منطقة اللاوعي. هذا يفسر لماذا نتصرف بالطريقة نفسها مرارًا وتكرارًا حتى لو كنا نعلم اننا مخطئين. وفيهذا الجزء من العقل، الروابط العصبية قوية، ما يجعل معظم الناس يعتقدون أنهم لا يستطيعون تغيير طريقة تصرفهم وردود فعلهم. هذه الطريقة التلقائية في التصرف هي ما نسميه الشخصية. ولكن في الحقيقة، “الشخصية” هي مجرد مجموعة السلوكيات التي كررناها أكثر من غيرها. هذا يعني اننا قادرون على تغييرها. فيمكننا تطوير ذكائنا ومهاراتنا من خلال تدريب عقولنا. لذلك، لتغيير أنفسنا، نحتاج إلى تغيير أدمغتنا، أي إنشاء وصلات عصبية جديدة وتفعيلها حتى تصبح قوية.

ممارسة التأمل تساعدنا، بشكل استثنائي، على إعادة برمجة عقولنا. كل ما علينا فعله هو التركيز على التنفس. لكن، هذه المهمة صعبة وتتطلب التدريب، إذ أنه في المعدل، تطاردنا حوالي 50000 فكرة يومياً. تجدر الإشارة إلى أن %98 من هذه الأفكار هي نفسها التي طاردتنا في اليوم السابق، و%80 منها سلبية. فتتحول هذه الأفكار إلى عادة، وينتج مباشرةً عنها شعور مستمر بالقلق والتوتر، ما يجعلنا نتصرف بطرقة غير مفيدة أبداً. وجد العلماء أن التأمل يقلل من حجم اللوزة (amygdala)، وهي مركز الخوف في دماغنا، الذي تنبع منه كل عواطفنا وأفكارنا السلبية. إضافةً إلى ذلك، يقلل التأمل من مستوى هرمون التوتر، الكورتيزول، ويطور قدرتنا على مشاهدة أفكارنا وعواطفنا دون أي ردة فعل. هكذا، يساعدنا التأمل على تغيير سلوكنا، وحتى شخصيتنا بشكل كبير.



